الشيخ محمد هادي معرفة

146

التفسير الأثرى الجامع

وعنى - جلّ ذكره - بقوله : كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ كلوا من مشتهيات رزقنا الذي رزقناكموه . وقيل عنى بقوله : مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ من حلاله الذي أبحناه لكم ، فجعلناه لكم رزقا . والأوّل من القولين أولى بالتأويل لأنّه وصف ما كان القوم فيه من هنيء العيش الذي أعطاهم ، فوصف ذلك بالطيب الذي هو بمعنى اللذّة أحرى من وصفه بأنّه حلال مباح . و « ما » التي مع « رزقناكم » بمعنى « الذي » كأنّه قيل : كلوا من طيّبات الرزق الذي رزقناكموه . * * * وقال في تأويل قوله تعالى : وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ : وهذا أيضا من الذي استغني بدلالة ظاهره على ما ترك منه . وذلك أنّ معنى الكلام : كلوا من طيّبات ما رزقناكم ، فخالفوا ما أمرناهم به ، وعصوا ربّهم ثمّ رسولنا إليهم ، وما ظلمونا . فاكتفى بما ظهر عمّا ترك . وقوله : وَما ظَلَمُونا يقول : وما ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم ، وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . ويعني بقوله : وَما ظَلَمُونا : وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيّانا موضع مضرّة علينا ومنقصة لنا ، ولكنّهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرّة عليها ومنقصة لها . كما : [ 2 / 2029 ] روى أبو روق ، عن الضحّاك ، عن ابن عبّاس : وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ قال : يضرّون . وقد دلّلنا فيما مضى على أنّ أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه بما فيه الكفاية ، فأغنى ذلك عن إعادته . وكذلك ربّنا - جلّ ذكره - لا تضرّه معصية عاص ، ولا يتحيّف خزائنه ظلم ظالم ، ولا تنفعه طاعة مطيع ، ولا يزيد في ملكه عدل عادل ؛ بل نفسه يظلم الظالم ، وحظّها يبخس العاصي ، وإيّاها ينفع المطيع ، وحظّها يصيب العادل « 1 » . * * * وهكذا روى ابن أبي حاتم قريبا ممّا رواه ابن جرير : قال في قوله تعالى : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ : [ 2 / 2030 ] روى القاسم بن أبي أيّوب عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال : ثمّ ظلّل عليهم في

--> ( 1 ) الطبري 1 : 425 - 426 .